ابن كثير
249
البداية والنهاية
فصالحهم نائب سمرقند - وهو عثمان بن عبد الله بن مطرف - على أربعين ألفا ، ودفع إليهم سبعة عشر دهقانا رهائن عندهم ، ثم ندب عثمان الناس فانتدب رجل يقال له المسيب بن بشر الرياحي في أربعة آلاف ، فساروا نحو الترك ، فلما كان في بعض الطريق [ خطبهم ] فحثهم على القتال وأخبرهم أنه ذاهب إلى الأعداء لطلب الشهادة ، فرجع عنه أكثر من ألف ، ثم لم يزل في كل منزل يخطبهم ويرجع عنه بعضهم ، حتى بقي في سبعمائة مقاتل ، فسار بهم حتى غالق جيش الأتراك ، وهم محاصرو ذلك القصر ، وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبح أولادهم أمامهم ، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يقتلوا عن آخرهم ، فبعث إليهم المسيب يثبتهم يومهم ذلك ، فثبتوا ومكث المسيب حتى إذا كان وقت السحر فكبر وكبر أصحابه ، وقد جعلوا شعارهم يا محمد ، ثم حملوا على الترك حملة صادقة ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وعقروا دواب كثيرة ، ونهض إليهم الترك فقاتلوهم قتالا شديدا ، حتى فر أكثر المسلمين ، وضربت دابة المسيب في عجزها فترجل وترجل معه الشجعان ، فقاتلوا وهم كذلك قتالا عظيما ، والتف الجماعة بالمسيب وصبروا حتى فتح الله عليهم ، وفر المشركون بين أيديهم هاربين لا يلوون على شئ ، وقد كان الأتراك في غاية الكثرة ، فنادى منادي المسيب : أن لا تتبعوا أحدا ، وعليكم بالقصر وأهله ، فاحتملوهم وحازوا ما في معسكر أولئك الأتراك من الأموال والأشياء النفيسة وانصرفوا راجعين سالمين بمن معهم من المسلمين الذين كانوا محصورين ، وجاءت الترك من الغد فلم يجدوا به داعيا ولا مجيبا ، فقالوا في أنفسهم : هؤلاء الذين لقونا بالأمس لم يكونوا إنسا ، إنما كانوا جنا . وممن توفي فيها من الأعيان والسادة : الضحاك بن مزاحم الهلالي أبو القاسم ، ويقال أبو محمد ، الخراساني ، كان يكون ببلخ وسمرقند ونيسابور ، وهو تابعي جليل روى عن أنس وابن عمر وأبي هريرة ، وجماعة من التابعين ، وقيل إنه لم يصح له سماع من الصحابة حتى ولا من ابن عباس سماع ، وإن كان قد روي أنه جاوره سبع سنين ، وكان الضحاك إماما في التفسير ، قال الثوري : خذوا التفسير عن أربعة ، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك ، وقال الإمام أحمد : هو ثقة ، وأنكر شعبة سماعه من ابن عباس ، وقال : إنما أخذ عن سعيد عنه ، وقال ابن سعيد القطان : كان ضعيفا . وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال : لم يشافه أحدا من الصحابة ، ومن قال : إنه لقي ابن عباس فقدوهم ، وحملت به أمه سنتين ، ووضعته وله أسنان ، وكان يعلم الصبيان حسبة ، وقيل إنه مات سنة خمس وقيل سنة ست ومائة والله أعلم . أبو المتوكل الناجي اسمه علي بن البصري ، تابعي جليل ، ثقة ، رفيع القدر ، مات وقد بلغ الثمانين رحمه الله تعالى .